ابن قيم الجوزية
332
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فهذه الدرجة من الإخبات تحميه عن هذه الثلاثة . فتستغرق عصمته شهوته . و « العصمة » هي الحماية والحفظ . و « الشهوة » الميل إلى مطالب النفس . و « الاستغراق » للشيء الاحتواء عليه والإحاطة به . يقول : تغلب عصمته شهوته وتقهرها ، وتستوفي جميع أجزائها . فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشهوة : فذلك دليل على إخباته . ودخوله في مقام الطمأنينة ، ونزوله أول منازلها ، وخلاصة في هذا المنزل من تردد الخواطر بين الإقبال والإدبار ، والرجوع والعزم ، إلى الاستقامة والعزم الجازم ، والجد في السير . وذلك علامة السكينة . وتستدرك إرادته غفلته . و « الإرادة » عند القوم : هي اسم لأول منازل القاصدين إلى اللّه و « المريد » هو الذي خرج من وطن طبعه ونفسه . وأخذ في السفر إلى اللّه ، والدار الآخرة . فإذا نزل في منزل « الإخبات » أحاطت إرادته بغفلته . فاستدركها ، واستدرك بها فارطها . وأما « استهواء طلبه لسلوته » فهو قهر محبته لسلوته ، وغلبتها له ، بحيث تهوي السلوة وتسقط ، كالذي يهوي في بئر . وهذا علامة المحبة الصادقة : أن تقهر فيه وارد السلوة ، وتدفنها في هوّة لا تحيا بعدها أبدا . فالحاصل : أن عصمته وحمايته : تقهر شهوته ، وإرادته تقهر غفلته ، ومحبته تقهر سلوته . قال : « الدرجة الثانية : أن لا ينقض إرادته سبب . ولا يوحش قلبه عارض . ولا يقطع عليه الطريق فتنة » . هذه ثلاثة أمور أخرى . تعرض لصادق الإرادة : سبب يعرض له ينقض عزمه وإرادته . ووحشة تعرض له في طريق طلبه ، ولا سيما عند تفرده . وفتنة تخرج عليه ، تقصد قطع الطريق عليه . فإذا تمكن من منزل « الإخبات » اندفعت عنه هذه الآفات . لأن إرادته إذا قويت ، وجدّ به السير : لم ينقضها سبب من أسباب التخلف . و « النقض » هو الرجوع عن إرادته ، والعدول عن جهة سفره . ولا يوحش أنسه باللّه في طريقه عارض من العوارض الشواغل للقلب ، والجواذب له عمن هو متوجه إليه . و « العارض » هو المخالف . كالشئ الذي يعترضك في طريقك . فيجيء في عرضها . ومن أقوى هذه العوارض : عارض وحشة التفرد . فلا يلتفت إليه ، كما قال بعض الصادقين : انفرادك في طريق طلبك : دليل على صدق الطلب . وقال آخر : لا تستوحش في طريقك من قلة السالكين . ولا تغتر بكثرة الهالكين . وأما « الفتنة » التي تقطع عليه الطريق : فهي الواردات التي ترد على القلوب ، تمنعها من مطالعة الحق وقصده . فإذا تمكن من منزل « الإخبات » وصحة الإرادة والطلب : لم يطمع فيه عارض الفتنة . وهذه العزائم لا تصح إلا لمن أشرق على قلبه أنوار آثار الأسماء والصفات . وتجلت عليه معانيها . وكافح قلبه حقيقة اليقين بها .